محمد بن جرير الطبري

222

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حذيفة يهودية أو نصرانية . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة في قوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ يعني مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن حماد ، عن سعيد بن جبير قوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال : مشركات أهل الأَوثان . وقال آخرون : بل أنزلت هذه الآية مرادا بها كل مشركة من أي أصناف الشرك كانت غير مخصوص منها مشركة دون مشركة ، وثنية كانت أو مجوسية أو كتابية ، ولا نسخ منها شيء . ذكر من قال ذلك : حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري ، قال : ثنا شهر بن حوشب ، قال : سمعت عبد الله بن عباس ، يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات ، وحرم كل ذات دين غير الإِسلام ، وقال الله تعالى ذكره : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية ، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضبا شديدا حتى هم بأن يسطو عليهما ، فقالا : نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب ، فقال : لئن حل طلاقهن ، لقد حل نكاحهن ، ولكن أنتزعهن منكم صغرة قماء . وأولى هذه الأَقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات ، وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها لم ينسخ منها شيء ، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها . وذلك أن الله تعالى ذكره أحل بقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ للمؤمنين من نكاح محصناتهن ، مثل الذي أباح لهم من نساء المؤمنات . وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا ، وفي كتابنا " كتاب اللطيف من البيان " أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيا حكم الآخر في فطرة العقل ، فغير جائز أن يقضي على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مجيئه ، وذلك غير موجود بأن قوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ناسخ ما كان قد وجب تحريمه من النساء بقوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ . فإن لم يكن ذلك موجودا كذلك ، فقول القائل : " هذه ناسخة هذه " دعوى لا برهان له عليها ، والمدعي دعوى لا برهان له عليها متحكم ، والتحكم لا يعجز عنه أحد . وأما القول الذي روي عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس ، عن عمر رضي الله عنه من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين كانتا كتابيتين ، فقول لا معنى له لخلافه ما الأَمة مجتمعة على تحليله بكتاب الله تعالى ذكره ، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القول خلاف ذلك بإسناد هو أصح منه ، وهو ما : حدثني به موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا محمد بن بشر ، قال : ثنا سفيان بن سعيد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن زيد بن وهب ، قال : قال عمر : المسلم يتزوج النصرانية ، ولا يتزوج النصراني المسلمة . وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رحمه الله عليهم نكاح اليهودية والنصرانية ، حذرا من أن يقتدي بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات ، أو لغير ذلك من المعاني ، فأمرهما بتخليتهما . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا الصلت بن بهرام ، عن شقيق ، قال : تزوج حذيفة يهودية ، فكتب إليه عمر : خل سبيلها ، فكتب إليه : أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكن أخاف أن تعاطوا المؤمنات منهن . وقد حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا إسحاق الأَزرق ، عن شريك ، عن أشعث بن سوار ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون